الراغب الأصفهاني

393

الذريعة إلى مكارم الشريعة

بل لاكتساب المحمدة به ، ولا يجتمع عنده المال مدخرا ، لكن كما قال الشاعر ( النضر بن جؤية ) : لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا * لكن يمر عليها وهو منطلق إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا * ظلت إلى طرق المعروف تستبق وغير الفاضل يسترسل في اقتنائه ، ويقبض في إنفاقه ، ويطلبه لذاته لا لادخار الفضيلة به . والمال يحصل من وجهين أحدهما : بسبب منسوب إلى الجد المحض والبخت الصرف ، من غير اكتساب من صاحبه ، كمن ورث مالا ، أو وجد كنزا ، أو قيض له من أولاه شيئا . والثاني : أن يكتسب الإنسان ، كمن يشتغل بتجارة أو صناعة فيدخر منها مالا . وهذا الضرب لا يستغني فيه عن الجد ، ولهذا قيل : وعليّ أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح فحظ الجد في المال أكثر من حظ الكد بخلاف الأخلاق والأعمال الأخروية التي حظ الكد فيها أكثر وقد نبه اللّه تعالى على ذلك بقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ إلى قوله : مَشْكُوراً « 1 » ، فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي وإرادته للمعطي له ، ولم يشترط السعي واشترط في الآخرة السعي لها مع الإيمان ، ولم يشترط إرادته تعالى ومشيئته وإن كان ذلك لا يتعرى منهما . فحق العاقل أن يعنى بما إذا طلبه ناله ، وإذا ناله لم يخف زواله ، ويقلل المبالاة بما إذ قدر له أتاه طلبه أو لم يطلبه .

--> ( 1 ) الإسراء / 18 .